أخبار عاجلة

استراتيجية واشنطن 2026: من وهم “الشرطي العالمي” إلى حصن أميركا وتفجير العالم بالوكالة وتفوض الوكلاء بمهمة الانتحار ضد إيران

نبأ – في وثيقة تعكس ذروة الانكفاء والغطرسة في آن واحد، كشف البنتاغون عما يسمى “استراتيجية الدفاع الوطني 2026″، والتي تمثل إعلانا رسميا عن إفلاس مشروع “الشرطي العالمي” الذي أرهق العالم لعقود. وبدلا من الاعتذار عن دمار “بناء الأمم”، تتبنى واشنطن اليوم عقيدة “حصن أمريكا” (Fortress America)، في محاولة مفضوحة للتنصل من التزاماتها الدولية بعد أن أشعلت بؤر الصراع في كل مكان، تاركة حلفاءها يواجهون مصيرهم وحدهم تحت مسمى “تقاسم الأعباء”.

فيما يتعلق بالملف الإيراني، تظهر الوثيقة الجديدة استمرار العقلية الاستعلائية الأميركية التي لا تعترف بسيادة الدول حيث يشدد البنتاغون على منع طهران من امتلاك أي قدرات نووية، ليس حماية للمنطقة كما يزعم، بل لضمان بقاء التفوق الصهيوني وحفظ المصالح الأميركية. واللافت في هذه الاستراتيجية هو “التفويض العسكري” الذي تمنحه واشنطن لحلفائها الإقليميين، حيث تدعو بشكل مبطن إلى دفع دول المنطقة لمواجهة مباشرة مع إيران وفصائل المقاومة، بينما تكتفي هي بدور “المحرض” الذي يبيع السلاح من بعيد ويحتمي خلف حدود نصف الكرة الغربي، في استغلال واضح لدماء أبناء المنطقة لخدمة أهداف واشنطن الاستراتيجية.

لم تتوقف الوثيقة عند حدود الانكفاء، بل صبغت توجهاتها بنبرة فوقية تجاه الجميع إذ تفرض واشنطن على حلفائها في الناتو وآسيا دفع “إتاوة” دفاعية تصل إلى 5% من ناتجهم المحلي، مهددة بسحب مظلتها الأمنية إذا لم يذعنوا لمطالبها المالية. وبينما تخصص المليارات لبناء ما تسميه “القبة الذهبية” لحماية مدنها من أي رد فعل مشروع، تترك العالم يغرق في فوضى السلاح والنزاعات التقليدية التي أججتها سياساتها المتعاقبة، مؤكدة أن “أمن المواطن الأميركي” هو القيمة الوحيدة في ميزانها، بينما تسحق أمن الشعوب الأخرى ومقدراتها.

وتُشرعن استراتيجية 2026 منطقا استعلائيا في التعامل مع بكين، فهي تزعم السعي لـ “سلام محترم” وتجارة عادلة، بينما تُكلف وزارة الحرب بفرض واقع عسكري يقوم على التهديد لا التفاوض. الغطرسة الأميركية تتجلى في تبني عقيدة “الدفاع بالإنكار” على طول سلسلة الجزر الأولى، وهي تسمية تجميلية لتحويل دول المنطقة إلى حقول تجارب عسكرية وخطوط دفاع أمامية لحماية المصالح الأميركية، تحت ذريعة منع الصين من “الهيمنة”.

وبدلاً من المواجهة المباشرة، تختار واشنطن خنقا مغلفا بالواقعية، حيث تحث حلفاءها في المحيطين الهندي والهادئ على تحمل الكلفة العسكرية والبشرية لموازنة قوة الصين، بينما تكتفي هي بإدارة خيوط التصعيد من موقع القوة. هدف “توازن القوى” الذي تروج له الوثيقة ليس إلا محاولة أميركية لفرض وصاية دائمة، تمنع أي تقارب آسيوي مستقيل وتُبقي المنطقة رهينة لـ “شروط ترامب”، مما يجعل السلام المزعوم مجرد استراحة محارب لترسيخ الهيمنة.

فيما يتعلق بروسيا، تسعى الولايات المتحدة إلى تصويرها كتهديد دائم لتبرير استمرار هيمنتها العسكرية على أوروبا، رغم اعترافها الضمني بتفوق الناتو اقتصاديا وعسكريا. فحرب أوكرانيا تُستغل لإضفاء الشرعية على الوجود الأميركي وتوسيع النفوذ، مع تضخيم القدرات الروسية النووية والسيبرانية لتخويف الرأي العام. وفي الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن أن أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها، فإنها تواصل فرض أولوياتها الاستراتيجية، خاصة في مواجهة الصين، وإلقاء عبء الحرب في أوكرانيا على الأوروبيين. هذا الخطاب يعكس سياسة أمريكية انتقائية تسعى لتقاسم التكاليف دون التخلي عن القيادة أو السيطرة.

إن استراتيجية 2026 ليست سوى اعتراف صريح بأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها بالقوة المباشرة، فقررت اللجوء إلى “الواقعية القبيحة” التي تقوم على التحصن في الداخل وتفجير التناقضات في الخارج.